عبد الباقي مفتاح
177
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
والاسم الحاكم على هذا الفص هو " المحيي " المتوجه على إيجاد فلك " الماء " وعلى منزلة " النعائم " . ومن نعم اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم حوض كوثر ماء الحياة الدائمة والعلاقة بين الحياة ويحيى والماء والكوثر ظاهرة . ووجه المناسبة بين الفص وسورة " الكوثر " يظهر في الآية الأخيرة : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي المقطوع الذكر فلا عقب ولا وارث له . أما أنت أيها الرسول فسترثك أمتك في مقام الدين . وهذا ما أكد عليه الشيخ في هذا الفص بقوله : " لأنه عليه السلام آثر بقاء ذكر اللّه في عقبه إذ الولد سر أبيه فقال : " يرثني ويرث من آل يعقوب " وليس ثم موروث في حق هؤلاء إلا مقام ذكر اللّه والدعوة إليه " . فيحيى ، حتى وإن كان حصورا ولم يعقب ولدا ، ليس بأبتر لأن ذكره باق في العالمين أبد الآبدين ، بل هو الذي يذبح الموت فينحره على سور الأعراف عند نهاية يوم القيامة واستقرار أهل الجنة وأهل النار فيهما استقرار الخلود ، فهو آخر متحقق بالكلمة الوسطى في " الكوثر " أي : " . . . وانحر " . وقول الشيخ : " . . . فقدم الحق على ذكر ولده " يشير إلى تقدم آية فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي القيام بحق الحق تعالى - على ذكر الولد في آية إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ والمصلي هو المتأخر عن السابق . وقد توسع الشيخ في تفصيل هذا المعنى في الباب " 369 ف " الوصل السابع المتعلق بسورة " الكوثر " . علاقة هذا الفص بسابقة ولاحقه بدأ هذا الفص بمسألة مقام ذكر اللّه والرغبة في دوامه وفي هذا تلويح لسورة الفص السابق أي " الشرح " . فكما ورث يحيى زكرياء ، ورثت الأمة المحمدية من نبيها مقام الذكر والدعوة إلى اللّه . فآية : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ تتمثل في آية : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ وآية : وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ تتمثل في آية : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وآية : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ مظهر من مظاهر : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ . وقوله في هذا الفص : " إن الولد سر أبيه " تمهيد لسورة فص زكرياء التالي أي " البلد " من آيتها : " ووالد وما ولد " فليحيى الجلال والاسم " الحي " وفلك الماء . ولوالده الشدة من الاسم " المالك المميت " وفلك التراب ، فالحي والمميت ، كالماء والتراب ، متكاملان لأن الموت من عالم